حسن بن حمزة الشيرازي ( شرف البلاسي )
33
رسالتان في الحكمة المتعالية والفكر الروحي
لم يكن أسيرا لها ، مغلولا بسيطرتها ، يذعن لكل ما تقول ، ويرضى بكلّ ما تعتقد . وما أراد أن يعيش أفكار جماعة هذه المدرسة بالفكر والتصوّر والنظرية ، بل أراد أن يعيش حياة التصوّف أحوالا ومعاناة ، وأن يكابد تجاربها كما تعوّد المتصوّفة أن يكابدوا ، فأصبح وله معاناته الخاصّة وتجربته المتميّزة ، وإذا بحث وألّف فله أسلوب يميّزه عن غيره ، وذلك بجمال الديباجة وقوة السبك ومروءة العبارة . وإذا أراد أن يبثّ الأفكار ويذيع المعاني ، فلا يختار من الأفكار إلّا ما يعتقده ، ولا ينتخب من المعاني إلّا ما يراه حقّا وما يتّخذه مبدأ ، وهو في ذلك قد يتّفق مع مدرسة ابن عربي في بعض ، وقد يختلف معها في بعض آخر ، وهو حرّ في أن يأخذ منها ما يريد وأن يدفع منها ما لا يريد . وإلى جانب النقول التي يوردها من هذه المدرسة ، يقصّ علينا حالا من أحواله أو كشفا وقع له في خلواته ، فما أسهل أن نقارن بين نقوله وبين مشاهداته ، لنزداد في التثّبت والتأكد من أن شخصيّته في التأليف ظلّت بيّنة قويّة ، وأن تجربته أخذت حقّها من الوضوح والظهور ، ولم يكن صدى يردّد أقوال غيره دون معرفة ودون تذوّق فأقرأ قصّة خلوته في جبل قاسيون يوم أن قدم من الحجاز إلى دمشق ، واقرأ ما تلقاه من إلهامات في تلك الخلوة ، ثم أعد قراءته وأطل فيه التأمّل ، لتبصر أن تجاربه كانت الباعث الأوّل على الكتابة والحديث ، وأن مشاهداته كانت مادّته الأولى فيما يقوله من نثر ومن شعر .